الشيخ محمد الصادقي الطهراني

118

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

كفاراً بمبدء الفطرة والعقلية الإنسانية ! . فلم يكونوا - إذاً - لا مهتدين ولا كفاراً ، بل « كانوا ضُلَّالًا لا مؤمنين ولا كافرين ولا مشركين » « 1 » حيث الدعوات الرسالية هي التي تخلق هذه الأمم الثلاث ، والبشرية قبلها « أمة واحدة » متماثلين في أصل الضلال عن الهدى الرسالية ، وهذا هو الذي يستتبع بينهم خلافات حسب مختلف الأهواء والرغبات « فبعث اللَّه النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه » على كونهم أمة واحدة ، في الضلالة عن هدي الوحي ، مهما كانوا مهتدين برسل الفِطَر والعقول ، فإنها لا تكفي هدىً لابقة لائقة بالإنسان بحيث تصبح الإنسانية أمة واحدة كاملة ، إذاً فوحدة الأمة البشرية قبل بعث النبيين لا تعني عدم الاختلاف بأسره ، بل وحدة في الضلالة عن هدي الوحي كما ولم يكونوا كافرين إذ لا وحي به يكفرون . هذا ! ولكن ما هو الجواب عن سؤال : متى كان الناس أمة واحدة فبعث اللَّه النبيين ؟ وقد بزغت الإنسانية برسالة الوحي ، فآدم الرسول هو أوّل إنسان من هذه السلسلة ، ثم من ولده وأحفاده كشيث وإدريس ، وقد كان نبياً حسن النص « وأذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقاً نبياً » « 2 » وكما تلمح آيات أو تصريح بأنبياء قبل نوح : « أولئك الذين أنعم اللَّه عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح » « 3 » ، ثم وكيف يجوز في حكمة اللَّه ورحمته أن تظل البشرية ردحاً من الزمن أمة واحدة في ضلال ثم يبدو اللَّه أن يبعث النبيين ، فيحتجون - إذاً - على اللَّه كما قال اللَّه : « ورسلًا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلًا لم نقصصهم عليك وكلم اللَّه موسى تكليماً * رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا

--> ( 1 ) . نور الثقلين 1 : 208 في تفسير العياشي عن يعقوب بن شعيب قال سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن‌الآية فقال : كان الناس قبل نوح أمة واحدة فبدا اللَّه فأرسل الرسل قبل نوح ، قلت : أعلى هدىً كانوا أم على ضلالة ؟ قال : كانوا على ضلالة قال : بل كانوا ضلالًا لا مؤمنين ولا كافرين ولا مشركين ، وعن المجمع وروي عن الباقر عليه السلام أنه قال : كانوا قبل نوح أمة واحدة على فطرة اللَّه لا مهتدين ولا ضُلالًا فبعث اللَّه النبيين ( 2 ) . 16 : 56 ( 3 ) . 19 : 58